Pts. Mar 30th, 2020

شعراء عرب في بلاط ملك النورمان.. قصة تعايش في زمن الحروب الصليبية أخبار وطنية


في العام 1061 ميلادية كانت صقلية لا تزال جزيرة شبه عربية، لكنها كانت مجزأة إلى خمس إمارات منقسمة على نفسها، وإضافة لذلك تسبب التنازع بين الأمراء، والتنافس بين العرب والأمازيغ في الجزيرة الواقعة جنوبي إيطاليا، في تمكّن ملك النورمان روجر الأول من إخضاع أغلب الجزيرة لحكمه، وبحلول العام 1072 أصبحت العاصمة الصقلية باليرمو تحت سيطرة الرومان سيطرة كاملة. 

لكن أفول نجم العرب السياسي عن صقلية لم يغيّب الثقافة العربية عن الجزيرة المتوسطية، وظل الوجود العربي قويا فيها تحت حكم ملوك النورمان في هذه الفترة، وظل بلاط ملوك النورمان طوال القرن الـ12 زاخرا بالعديد من الشعراء والعلماء والحرفيين العرب، الذين تولوا مناصب إدارية رفيعة أيضا.

وبعد وفاة روجر الأول عام 1101م خلفه ابنه روجر الثاني الذي كان بلاطه يعج بالمثقفين العرب، ورفض الملك الصقلي المشاركة في الحروب الصليبية رغم إلحاح البابا، وشاع استخدام اللغة العربية في إدارته المالية واحتفالاته الفخمة وفي المجالس الأدبية والشعرية وحتى في نقوش القصر، ويعتبر الأكاديمي المختص بالأدب العربي ودراسات الشرق الأوسط بجامعة كامبريدج ناثانيال ميلر أن ذلك لم يكن مجرد استمرار لبقايا صقلية الإسلامية، ولكنه تقليد واع لممارسات التسجيل والتدوين البيروقراطية المقتبسة من الدولة الفاطمية في مصر في ذلك العصر. 

جورج الأنطاكي
ويلاحظ ميلر في دراسته الصادرة حديثا عن الأدب العربي في عهد الملك الروماني، أن السيرة الذاتية للعديد من الإداريين في ذلك العصر تكشف عن تحدثهم باللغة العربية رغم كونهم من أصول غير عربية، ومن هؤلاء جورج الأنطاكي الذي كان مسيحيا من أنطاكية، وكان الأنطاكي يجيد العربية ويسير بها أعماله الإدارية، ونال رتبة “أمير الأمراء” في عهد روجر الثاني.

وبخلاف الأنطاكي، كان هناك شخصيات رسمية تتكلم العربية وتبطن إسلامها مثل بيتر الجربي الذي تعود إصوله لجربة التونسية، لكن في حالة الشعراء العرب، كان أكبر ستة أدباء عرب صقليين في بلاط روجر الثاني من المسلمين بشكل علني ومعروف، بحسب دراسة ميلر المنشورة في مجلة دراسات البحر الأبيض المتوسط.

وكان أطباء روجر الثاني من العرب، وتكلم كتّابه مزيجا من العربية واليونانية، وظل تأثير المسلمين حاضرا في القصر حتى بعد رحيل حكمهم من الجزيرة، وظلت غالبية سكان الجزيرة، وخاصة في الغرب والوسط، من المسلمين وتتحدث العربية طوال القرن الـ12، لكن ذلك التعايش لم يخلو من توترات دموية خاصة في أزمنة التمردات التي قامت ضد روجر الثاني.

وفي كتابه “حضارة العرب” لغوستاف لوبون، قال المستشرق الفرنسي إن خلفاء روجر ساروا على طريقته في تقريب الأدباء العرب من بلاطهم، ومنهم الملك غليوم الثاني الذي درس لغة العرب، وكان يرجع لمستشارين عرب في بلاطه.

ويتابع لوبون أن “إمامة العرب في الفنون والصناعات والعلوم تفسّر سبب حماية ملوك النورمان لهم، وكان الرهبان يعجبون بحذق العرب وإن كانوا يعزون اكتشافاتهم إلى السحر”. 

ومع ذلك كان من خلفاء روجر الثاني، فريدريك الثاني الذي كان ملك صقلية من 1198 إلى 1250م، وإمبراطور الرومانية المقدسة من 1220 إلى 1250م، وقاد الحملة الصليبية السادسة عام 1228 ليتوج نفسه ملكا على القدس في العام التالي رغم عدم مباركة البابا، ومع ذلك كانت صقلية في عهده مركزا لانتقال الحضارة الإسلامية إلى أوروبا، وأدى إعجابه بالثقافة العربية وتشجيعه للترجمة عنها إلى غضب رجال دين مسيحيين اتهموه بالهرطقة رغم قيادته للحملة الصليبية.

القصيدة الصقلية
ويرى الأكاديمي الأميركي نيكولا كاربنتيري في دراسته عن القصيدة العربية في جزيرة الصقلية، أن الأمراء الكلبيين والنورمان على حد سواء استفادوا من القصيدة العربية لتعزيز طموحاتهم الملكية، وأجبرهم المشهد الاجتماعي المتنوع وغير المتجانس في الجزيرة، ووقوعها على حافة الإمبراطوريتين الإسلامية والمسيحية، على توظيف الثقافة العربية والقصيدة الشعرية في بلاطهم لتعزيز التماسك الاجتماعي وقيم التعايش في أرض قسمتها الخلافات الطائفية والعرقية والسياسية العميقة.

وخلال مئة عام من حكم الكلبيين العرب، حققت صقلية المسلمة درجة عالية من الحكم الذاتي، وفترة من الاستقرار السياسي النادر، وازدهارا ثقافيا لا مثيل له بما في ذلك رعاية الأدب والشعراء، وتنعكس هذه الإنجازات في روايات المؤرخين العرب في العصور الوسطى، بحسب كاربنتيري في دراسته “الأدب كعملة اجتماعية في صقلية”.

وجذب الكلبيون إلى بلاطهم في باليرمو أروع العقول من جميع أنحاء صقلية وشمالي أفريقيا، ويبدو من بقايا الشعر العربي الذي يعود لهذه الحقبة أن بلاطهم تحدث مزيجا من لهجات القيروان وبغداد.

وصاغ القصائد شعراء عرب صقليون تشبثوا بسمات القصيدة التقليدية، واستشهد الأكاديمي الأميركي بكتاب ابن القطاع الصقلي الذي جمع فيه مجموعة من القصائد وسماه “الدرة الخطيرة في شعراء أهل الجزيرة”.

ورغم أن التفكير في الأدب العربي الصقلي يقود مباشرة إلى أدب الرحلات عند الرحالة ابن جبير وخرائط الجغرافي الإدريسي اللذين عاشا في صقلية زمن الحكم النورماني لها بعد سقوط الإمارة العربية، فإن تاريخ الشعراء والأدباء العرب في البلاط النورماني لا يحظى بذلك القدر من الاهتمام.

وازدهر الأدب العربي في الجزيرة المتوسطية زمن أمراء بني كلب والنورمان من بعده على حد سواء، وحرص أمراء بني كلب العرب على إحياء الشعر والقصائد لتعزيز التماسك في بلاطهم المهدد بالخصومات الاجتماعية والطائفية والعرقية. وفي وقت لاحق تنافس الشعراء العرب مرة أخرى في بلاط ملك النورمان روجر الثاني الذي اشتمل على أدباء مسيحيين ومسلمين كذلك.

Bir cevap yazın

E-posta hesabınız yayımlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir